عبد الله المرجاني
35
بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار
التتار ، وقتل الخليفة المستعصم باللّه « 1 » ، فشغر كرسي الخلافة ، ولم يجرؤ واحد من حكام المسلمين على إعادة الخلافة إلى سابق عهدها ، حيث تقوقع كل منهم في دويلته ، وشغل بمقاومة الأخطار الخارجية ، خاصة تلك التي يبيتها التتار والصليبيون ، وظل الأمر كذلك حتى اعتلى الظاهر بيبرس « 2 » السلطنة في مصر سنة 658 ه ، فبعد توطيد سلطانه بقمع الفتن الداخلية ، بادر سلطان مصر إلى إحياء الخلافة العباسية في القاهرة ، لإيجاد سند شرعي لسلطنته ضد أعدائها في الداخل والخارج ، يكسبها مركزا مرموقا حتى تبدو حامية حمى الإسلام والمسلمين ، وإذا لم يكن الظاهر بيبرس أول من فكر في نقل الخلافة العباسية إلى القاهرة « 3 » ، فإنه أول من نجح في
--> ( 1 ) المستعصم باللّه ، أبو أحمد عبد اللّه ، آخر خلفاء بني العباس بالعراق ، تولى الخلافة في سنة 640 ه ، وكان حليما كريما ، قتله التتار في المحرم سنة 656 ه . انظر : ابن كثير : البداية 13 / 211 - 216 ، الذهبي : العبر 3 / 280 - 281 ، السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 464 - 472 . ( 2 ) السلطان ركن الدين ، أبو الفتوح بيبرس التركي البندقداري ، ثم الصالحي ، صاحب مصر والشام ، ولي السلطنة في سنة 658 ه ، وكان غازيا مجاهدا ، مات في سنة 676 ه . انظر : ابن كثير : البداية 13 / 274 - 277 ، الذهبي : العبر 3 / 331 ، ابن العماد : شذرات الذهب 5 / 350 . ( 3 ) فقد فكر الملك الناصر يوسف ، صاحب الشام في إحياء الخلافة العباسية أوائل سنة 658 ه ، لما علم أن أميرا عباسيا يدعى أبا العباس أحمد ، هرب من بغداد عند عيسى بن مهنا أمير آل فضل ، ويريد القدوم إلى دمشق ، لكن إجتياح التتار للشام ، صرف الناصر يوسف عن مشروعه ، كما عمد قطز إلى تحقيق الفكرة نفسها ، لما علم بخبر أبي العباس أحمد - المذكور - غداة انتصاره على التتار في عين جالوت - رمضان 658 ه - وطلب من عيسى بن مهنا إنفاذ المذكور إلى مصر لتنصيبه خليفة وإعادته إلى بغداد ، غير أن الأجل لم يمهد قطز حتى يحقق هدفه . انظر : ابن أبي الفضائل : النهج السديد ص 93 ، السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 478 - 479 ، فمهما يقال أن بعض الحكام المسلمين في بلاد الشام ومصر قد فكروا في إحياء الخلافة قبل بيبرس ، فإن هذه المشروعات لم تتحقق ، فضلا عن أن أحدها لم يتجه نحو التفكير في إحياء الخلافة العباسية في القاهرة بالذات ، مما ضمن للظاهر بيبرس في التاريخ فخر تنفيذ الفكرة عمليا من ناحية ، وفخر ربط الخلافة العباسية في ذلك الدور الجديد من أدوار تاريخها بمصر والقاهرة من ناحية أخرى . انظر : سعيد عاشور : العصر المملوكي ص 355 .